أوري أفنيري

12.11.05

 

معجزة كبيرة حدثت هنا

 

مهاجرون من شمال أفريقيا يسكنون في ضواحي المدن الكبيرة، أشعلوا فرنسا. مهاجرون من شمال أفريقيا قدموا إلى إسرائيل أحدثوا هذا الأسبوع انقلابا ديموقراطيا فيها.

انتخب الجمهور الشرقي في الانتخابات الداخلية التي أجريت في حزب العمل، عمير بيرس بشكل جارف وهزم شمعون بيرس، الذي يتمتع بدعم الطبقة العليا ومعظمها من الشكناز.

قبل أسبوع ناشدت في هذه الزاوية مصوتي حزب العمل بانتخاب بيرتس. نشرت صحيفة "هآرتس" هذا المقال في يوم الانتخابات. لو كنت قد أقنعت ولو شخصا واحدا ليغيّر تصويته، فأنا مسرور لذلك، لأن انتخاب بيرتس هو، في نظري، حدث يتعدى حدود الحزب بكثير. إن من شأن هذا الحدث أن يغيّر مستقبل الدولة كلها.

 

يراود ذهني نقاش أجري بعد فترة ما من حرب لبنان. بضع عشرات من قدماء حركات السلام الراديكالية اجتمعوا على سطح منزل في تل أبيب، وناقشوا مسألة تأسيس حزب سلام جديد، بعد تفكيك حركة "ش.ل.ي." (التي مثلتها لفترة ما في الكنيست).

قلت في حينه أننا لن ننجح في إحلال تغيير جوهري، إذا لم نتمكن من الوصول إلى الجمهور الشرقي. ينظر هذا الجمهور إلى معسكر السلام على أنه يقتصر على الطبقة الاجتماعية-الاقتصادية العليا. إننا لا نرى الشرقيين في مظاهراتنا تقريبا. نحن لا ننجح في الوصول إلى نصف السكان في الدولة. طالما بقي هذا الوضع على ما هو عليه، فلن نتوصل إلى السلام.

مرت منذ ذلك الحين 23 سنة، والوضع لم يتغير. لقد قاطع الجمهور الشرقي "اليسار" الإسرائيلي كله. لقد ملّ من حزب العمل بشكل خاص، الذي مثّل في نظرهم كل ما هو سيء: الإجحاف، الأحياء الفقيرة والبلدات التي تكبر كثافة الجمهور الشرقي فيها، الاستهانة بالقيم الاجتماعية، تأييد سياسة اقتصادية تزيد من ثراء الأثرياء. لقد كرهوا بشكل خاص "المنتفعين الفئويين"، الذين كانوا يبدون مرتزقة في خدمة الزعامة الشكنازية.

يُنسب معسكر السلام إلى "اليسار". حتى عندما يجتمع مائة ألف شخص، مرة في السنة، في "ساحة رابين" ليعددوا مناقب الزعيم الذي اغتيل، يبدو واضحا غياب الشرقيين (فيما عدا أعضاء حركات الشبيبة اليسارية). يُسمع، بين الحين والآخر، الادعاء: "أنتم تهتمّون بالعرب، ولا تهتمّون بنا!" أو: "رام الله أهم لديكم من الرملة". يُنظر إلى فكرة السلام برمتها على أنها موضوع شكنازي، نخبوي، لا علاقة له بسكان سديروت ونتيفوت، شلومي وبيت شان.

هناك أسباب كثيرة للكراهية العمياء، التي يكنها شرقيون كثيرون، حتى في الجيل الثاني والثالث في حزب العمل. أحد هذه الأسباب هو الاعتقاد بأن القادمين الجدد من شمال أفريقيا قد استقبلوا في البلاد بازدراء واستخفاف من قبل المؤسسة الرسمية، التي كانت تابعة، في حينه، لحزب العمل. لقد طولب القادمون الجدد بالتخلي عن ثقافتهم وتقاليدهم والانتقال إلى "البوتقة" الإسرائيلية، التي أنشأت نمطا غربيا وعلمانيا.

تتناقل الأجيال قصة (حقيقية) عن قادمين جدد من المغرب، تم نقلهم إلى قلب الصحراء وطُلب منهم إقامة مدينة هناك. حين رفضوا النزول عن الشاحنة، تم تشغيل رافعتها و"انقلبوا" إلى الخارج، وكأنهم كانوا كومة من الرمل. أحس القادمون الجدد بالإهانة عند قدومهم إلى البلاد، عندما قاموا برش مستحضر الدي-دي-تي على شعرهم. صحيح أن هذا ما حدث للقادمين من معسكرات أوروبا، إلا أن هذه الإهانة قد انخرطت في إدراك أبناء القادمين الجدد الشرقيين، أنها اقتصرت على ذويهم فقط.

لقد اعقتد الشرقيون، أبناء الجيل الثاني والثالث، أن "اليسار" قد خلق عالما مغلقا، أوصدت أبوابه أمامهم. لم يتلاشى هذا الإحساس عندما تربع شرقيون منفردون على قمة المجد، دخلوا إلى بيت الرئيس وتحوّلوا إلى وزراء، بروفيسورات وإلى أصحاب أموال. تبين الإحصائيات أن الشرقيين ينسبون إلى الطبقات الاجتماعية-الاقتصادية المتدنية، وأن كثيرين منهم يعيشون دون مستوى خط الفقر ويملأون السجون. لذلك صوت الكثير منهم لليكود، الذي كان لفترة طويلة "خارجا". حتى اليوم، يُنظر إلى الليكود على أنه حزب معارض رغم أنه في السلطة منذ وقت طويل.

 

هناك، بطبيعة الحال، أسباب أكثر عمقا للتوتر القائم بين الجمهور الشرقي ومعسكر السلام. معظم القادمين الجدد من الدول العربية لم يأتوا إلى إسرائيل كرها بالعرب، بل أصبحوا كذلك هنا.

هذه ظاهرة معروفة في العالم: أبناء الطبقة الأكثر إجحافا بحقها من بين طبقات الشعب الحاكم، هم ألد أعداء الأقليات القومية والأجانب عامة وأكثرهم تطرفا. من سُحق، سيسحق من هو تحته. بعد أن انتزع منهم الإحساس بالقيمة الذاتية، يبحثون عن كرامتهم في انتمائهم إلى "شعب سام". هكذا في الولايات المتحدة، هكذا في فرنسا.

إضافة إلى ذلك: الطبقة الشكنازية المسيطرة تزدري الزعماء العرب بشكل علني، وكذلك الموسيقى العربية واللهجة العربية التي اكتسبها القادمون الجدد من الدول العربية وجلبوها معهم. النظرة العنصرية الواضحة ضد العرب تحوّلت إلى تعامل عنصري خفي مع اليهود الشرقيين. لقد حاول هؤلاء بدورهم التغلب على هذا الأمر بالنظرة المتطرفة المعادية للعرب.

في ذلك اللقاء قبل 23 سنة، قلت أن أحدا منا، نحن الشكناز، غير قادر على إحلال الانقلاب المطلوب. يمكن لزعيم شرقي ملائم فقط أن ينفخ روحا جديدة في الجمهور الشرقي. إن بإمكانه أن يذكّر هذا الجمهور أنه طيلة 1400 سنة، حين عانى يهود أوروبا من المجازر، محاكم التفتيش والكارثة، لم يلاحق اليهود في الدول الإسلامية، حتى أنهم كانوا شركاء في التكافل الثقافي الإسلامي-اليهودي الرائع في الأندلس وفي بلاد أخرى. يمكن لزعيم كهذا أن يعيد لجمهوره الاعتزاز بماضيه والتطلع إلى أخذ مكانته الطبيعية كجسر بين الشعبين.

لم يحدث هذا خلال عشرات السنوات السابقة. يمكن لهذا أن يحدث الآن.

 

انتخاب عمير بيرتس قد قلب الحلبة السياسية رأسا على عقب. للمرة الأولى يترأس حزب العمل ممثل حقيقي للجمهور الذي قدم من شمال أفريقيا – ليس منتفعا فئويا بل زعيما لكل البلاد يفتخر بأصله. وبالفعل، فقد صرح قبل الانتخابات "أول ما سأفعله بعد فوزي في الانتخابات هو القضاء على الشيطان الفئوي!"

للمرة الأولى منذ 30 سنة، يتزعم حزب العمل الآن شخص لم ينشأ في الجيش أو في الأجهزة الأمنية. إن جدول أعماله اليومي هو جدول أعمال اجتماعي-اقتصادي، إنه يضع حدا للوضع غير المحتمل في إسرائيل منذ وقت طويل، وهو أن زعماء "اليسار" يؤيدون اقتصادا لا يساري متطرف. يمكنه أن يضع حدا للوضع الذي تبتلع فيه ميزانية الأمن الضخمة، والاستثمارات الهائلة في المستوطنات، الموارد التي كان من المفروض أن تستثمر في رأب الهوة بين الأغنياء والفقراء، حيث أصبحت هذه الهوة الأكبر في العالم الصناعي الغربي.

منذ بداية طريقه، لم يخف بيرتس أبدا دعمه المتواصل للسلام مع الفلسطينيين. ستكون رسالته الاجتماعية مرتبطة برسالة سياسية، كما يجب أن يكون.

ما زال السبب غير كاف للرقص فرحا. يمكن أن تخيب آمالنا. تواجه بيرتس تحديات كبيرة: توحيد حزبه، وضع حد لتراث بيرس، دب روح جديدة في الحزب، الفوز في الانتخابات القادمة، الارتقاء إلى رئاسة الحكومة، إحلال تغيير اجتماعي، إحلال السلام. عليه الآن أن يثبت قدرته في كل هذه الأمور – خطوة بعد خطوة.

إلا أن هناك مكان للتفاؤل. لقد انفتحت الجبهات المتجمدة بين الأحزاب. يمكن لجماهير كاملة أن تبدّل إخلاصها. يمكن أن تنشأ حلبة سياسية جديدة، أكثر ملاءمة بكثير لصنع السلام.

 

الأحياء الفرنسية التي يسكنها أبناء شمال أفريقيا تحترق الآن. أما لدينا فإن أحد أبناء الجمهور المحبط القادم من شمال أفريقيا قد تحوّل إلى مرشح لرئاسة الحكومة. من حقنا أن نفرح. قبل ستة أسابيع من عيد الأنوار (حانوكا)، معجزة كبيرة حدثت هنا.